الشيخ محمد الصادقي الطهراني

70

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والمهاجرين فيها ، مكاناً تتساوى أجزاؤه لهم وللوافدين المهاجرين ، وهذه هي التبوئة الحقيقية العادلة ، فإن المهاجرين المضطهدين كانوا بحاجة إلى هكذا بواءٍ الذي يه كل رواع قلباً وقالباً ، بعدما اضطهدوا ولاقوا ما لاقوا من الأذى طيلة المقام بمكة ، فإن أهلها كانوا يدمرون الدار والإيمان ، فهاجروا إلى من يعمرون الدار والإيمان ، لهم ولمن سواهم سواءٌ ، يملكهم الحب في اللَّه ويملكونه ( وهل الدين إلا الحب ؟ ) . « 1 » « يحبونَ من هاجر إليهم » حباً واستقبالًا عديم النظير في التأريخ ، فقد كانوا يتسابقون إلى إيوائهم ، واحتمال أعبائهم ، لحدّ كان المهاجرون يقترعون لأنفسهم لدور الأنصار ، إذ كانت مفتحة لهم الأبواب أكثر من الحاجة « ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتوا » هم ، مهما كانوا محاويج في متطلبات عيشتهم ، لم تكن توجد فيها حاجة مما أُوتوا من بُلغة العيش رغم حاجتهم المدقعة اليه ، ولا حاجة مما أُوتي المهاجرون من الفيءِ ، بل « ويؤثرون على أنفسهم » الفقراء المهاجرين « ولو كان بهم خصاصة » : حاجة مدقعة ، والخصاصة في الأصل هي الفُرجة ، وهم لم يكن لهم ما يسدُّ فرُج الحياة ، ورغم ذلك ، ومع حياتهم المعشية المختلة ، هؤلاء الأنصار المحاويج آثروا المهاجرين على أنفسهم مرتين : فيما أُوتوا من الفيء ، وفي أموالهم الخاصة ، تشجيعاً لجنود الهجرة ، وترغيباً للتضحية في سبيل اللَّه ، والإيثار على النفس ، رغم شحِّها أو حاجتها ، إنه القمة العليا من الإنفاق ، وقد بلغها الأنصار في تلك الظروف الصعبة الملتوية ، وكم من بون بينهم وبين من يؤثرون الحياة الدنيا وهم أغنياء : « بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى » « 2 » . ولقد قال النبي صلى الله عليه وآله للأنصار : ( إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم ، وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم ، فقالوا : لا ، بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة ، فأنزل اللَّه « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » . وهذه الآية تعمّ جميع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إلى يوم الدين ، دون اختصاص بمن نزلت في شأنهم من الأنصار وسواهم كما في أسباب التنزيل . « 3 »

--> ( 1 ) . محاسن البرقي بإسناده إلى باقر العلوم عليه السلام في حديث : ( الدين هو الحب والحب هو الدين ) يعني الحب في اللَّه ( 2 ) . 87 : 16 ( 3 ) . التفسير الكبير للرازي ج 29 : 287 ، عن ابن عباس